في البداية لم اكن ادري بماذا ابدأ او ماذا أكتب .. فكثيراّ ما يخون القلم صاحبه في التعبير عما يجول بخاطره خاصة ان كان الانسان يكتب عن تجربة ذاتية او موقف عايشه للحظة.. فكيف به لو عايشة عمرا بكامله.

 بالنسبه لي، هي مأساة كنت أعيشها بيني وبين نفسي دامت خمسة وثلاثون عاما" حيث انني كنت أعاني منذ الطفولة بقصر نظر زاد وكبر مع تقدمي في العمر وتحول قصر النظر الى كسل بصري بشكل تدريجي حتى تحول الى انحراف (حول) شديد في عيني , ورغم ما أعياني من تعب وأنا أطرق أبواب الأطباء أبحث عن بصيص أمل في كل زياره لهذا الطبيب أوذاك , كنت أصل في النهايه الى الجمله ذاتها التي يسمعها المريض من طبيبه حين يصل الى طريق مسدود وهي أن الأمل بلله كبير ,وانا الحمدلله مؤمنه بالله وواثقه ان الأمل بالله كبير، و لذلك لم أيأس ولم أستسلم بل كنت وما زلت قانعة بإرادة الله . وهذا ما دعاني الى التمسك بلأمل والسعي أكثر وأكثر.

 ومنذ فترة ليست بالبعيدة، أصيبت عين أخي الأصغر بجرح بسيط وقام الوالد بمراجعة (الدكتور إياد عبد العزيز ) حيث قام بشرح حالتي له عساه يلقى عنده جوابا يرضي بحثه الدائم لي عن علاج شأنه شأن أي والد قلق على ابنته وطلب الدكتور إياد من والدي أن يرافقني لمراجعته في الزيارة التالية، وما لبث أبي أن وصل البيت حتى  أخبرني بما دار بينه وبين الطبيب ونبرة الأمل تزين صوته .

في البداية لم أخذ الموضوع بعين الإعتبار
..حيث كنت واثقة بيني وبين نفسي بأنني  سأصل للنتيجه ذاتها واعتبرت ذهابي للطبيب زياره عابره شأنها شأن سابقاتها .

جاء الموعد وذهبت للطبيب برفقة والدي بلا اكتراث أو اهتمام وكانت الغايه هي فقط إرضاء والدي حيث أنني قد حفظت عن ظهر قلب ما سوف أسمعه ولكن لابأ س بزياره إضافيه تلبيته لرغبة أبي .

لكن ما وجدته شيء مختلف تماما",  حيث استمع لي الطبيب حتى النهايه وبدأ برفع معنوياتي شيئا" فشيئا" وأكد لي بأن لاشيء مستحيل ولازال باب الأمل مفتوحا" امامي،  وأن ما أحتاجه هو التصميم والرغبة الصادقة في الشفاء وبعد ذلك الإتكال على الله وقد وعدني بأن يبذل كل ما بوسعه لتحقيق أفضل ما يمكن تحقيقه بإرادة الله سبحانه وتعالى، وقد قام بتحديد المشكلة للبدء بحلها شيئا" فشيئا" حيث أن المشكله تتلخص لدي بالحول والجحوظ وضعف النظر (وهو الجزء الأهم والسبب الرئيسي المباشر لمشكلتي )  وحتى يكون الحل جذريا" فإنه لن يكون عن طريق عدسه لاصقه خارجيه كالمعتاد حيث كانت تسبب لي تحسس وصعوبه في وضعها وإزالتها إضافة إلى عدم الإلتزام والتقيد بلبسها بشكل دائم وما إلى ذلك من مشاكل،  اما بالنسبه للنظاره ... فقد كانت نوعا" من المستحيل حيث أن قوة الإبصار في عيني هذه ( صفر ) وهذا معناه عدسة ثخينه و ثقيله ومن المستحيل أن أحتملها إن وجدت.

وتم الاتفاق مع الدكتور إياد على إجراء عملية زرع عدسه، ولا أنكر خوفي الشديد من مجرد سماع هكذا مصطلح أو التفكير فيه في البداية، ولكن الحقيقة التي أدركها جيدا هي أنه مهما كانت النتيجة فإنه لن تكون أسوأ مما كانت عليه عيني في تلك الفترة، ومع أن الطبيب طمأنني بنسبة النجاح وأن عملية كهذه يتم إجراؤها بشكل روتيني ومستمر الآن، وبعد فترة تفكير وتردد استمرت ما يقارب الشهر قررت أن أجري العملية وأن أتكل على الله، على الأقل سأتجنب إحساسي بأنني أهملت في العلاج بوقت ما حين كانت الفرصة سانحة لدي .

لذا، فقد راجعت الطبيب ثانية للسير في الإجراءات اللازمة وقد عاهدت نفسي على الامتثال الكامل لنصائح وإشادات الدكتور إياد  .

قام الدكتور إياد بإجراء عملية تثبيت للشبكيه حيث أوضح لي بأنها (أي الشبكية) ضعيفه وقد تنزلق وتسبب لي مضاعفات أو أعراضا" سلبيه في المستقبل، ولأهمية هذه العملية لضمان أفضل النتائج التي ارجوها, ومع دعم الدكتور لى وتبسيط الأمور الى أبعد الحدود والحمد لله قام بإجرائها بمهاره فائقه وبجلسه واحده ,وعدت الى البيت دون أن أشعر إلا بالآم بسيطه زالت بعد فترة قصيرة جدا وعدت لممارسة حياتي بشكل إعتيادي تماما".

ومع المواظبه والأستمرار في مراجعة الطبيب لتحديد موعد عملية زراعة العدسه بعد ما يقارب شهرين من تثبيت الشبكيه ,وجاء وقت العملية وقام الدكتور اياد بأجراءها بمهارة لا تقل عن المرة الأولى والحمد لله.

 في اليوم التالي، حين جاء موعد نزع الضمادة،  انتابتني عدة مشاعر ونحن في الطريق للعيادة, ما بين الخوف مما سيحدث بعد دقائق، والرجاء والتمني بعودة النظر لعيني, لكن كنت مؤمنة بإرادة الله أولا وأخيرا وبأن الطبيب قد بذل قصارى جهده. وجاءت اللحظة المنشودة، وحين همّ الدكتور بإزالة الضماد كنت أنا اسمع بداخلي صوت يقول للدكتور بأن لا يفعل خوفا من النتيجة, لكن بعد أن أزال الطبيب الضماد وفتحت عيني للمرة الأولى بعد خمسة وثلاثين عاما، ها أنا أرى كل من هم حولي ... اشباه اشخاص يحيطهم هالة ضباب لكني اراهم، وقبل أن انطق طمأنني الطبيب كعادته وقال لي من الطبيعي ان تري الضباب محيط بكل من هم حولك لكن لا تخافي فهذه أمور طبيعية وستزول خلال يوم أو يومين .

 أنا الآن أخطو الخطوات الأولى على عتبات الشفاء ، وأنا أدرك ان الطريق أمامي لا زالت طويلة ويتطلب مني جهدا كبيرا وبالطبع فإن الشفاء بيد الله عز وجل.

ولا يسعني إلا أن أقول شكرا من قلب صادق للدكتور إياد عبد العزيز .... وجزاك الله عني كل خير، فأنا أعتبر السادس عشر من شهر آذار /2003 يوم مولدي الحقيقي حيث رأيت النور بعيني لأول مرة .

         غادة العمري
عمان في 29-03-2009 م